كشف الصحفي جودي قيس في مستهل تقريره عن الحالة الصحية الصادمة التي ظهر بها الصحفي الفلسطيني مجاهد بني مفلح عقب الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية، بعدما قضى أربعة عشر شهرًا في الاعتقال الإداري دون توجيه تهمة أو محاكمة. وأثارت الصور التي نشرها عبر حسابه على إنستاجرام موجة استنكار واسعة، إذ بدا فاقدًا لقدر كبير من وزنه وتغيرت ملامحه بصورة لافتة، بينما وصف ناشطون ومنظمات حقوقية تلك المشاهد بأنها دليل جديد على ما يتعرض له المعتقلون الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية.
وأوضح الصحفي في تقرير نشره موقع ميدل إيست آي أن بني مفلح، البالغ من العمر ستة وثلاثين عامًا والمنحدر من بلدة بيتا جنوب نابلس في الضفة الغربية المحتلة، اكتشف بعد يومين فقط من الإفراج عنه إصابته بنزيف حاد في الدماغ نتيجة ظروف الاحتجاز والإهمال الطبي، ما استدعى خضوعه لعمليات جراحية عاجلة، بينما يواصل رحلة علاج طويلة لاستعادة جزء من حالته الصحية، وفق ما أعلنته جمعية نادي الأسير الفلسطيني.
معاناة يومية داخل السجون الإسرائيلية
روى بني مفلح جانبًا من تجربته القاسية داخل المعتقل، وكتب أن الليالي كانت تمر بين الألم الجسدي وثقل الأفكار، بينما كان ينتظر طلوع الفجر وكأنه نافذة للخلاص. وأضاف أنه أدرك معنى الإهانة عندما فقد السيطرة على أدق تفاصيل حياته اليومية، حتى الخصوصية والكرامة أصبحتا خارج إرادته.
وأشار إلى أن الجوع كان أحد أكثر أشكال المعاناة قسوة، إذ كان ينتظر قطعة طعام لا تكفي لسد رمقه، فينام متألمًا ويستيقظ بالشعور نفسه. كما قال إن رغيف الخبز تحول إلى حلم، وإن شربة ماء باردة أصبحت نعمة كبيرة، مؤكدًا أن شهور الاعتقال علمته تقدير أبسط تفاصيل الحياة التي اعتادها الإنسان دون أن ينتبه إلى قيمتها.
غضب واسع ومطالب بالمحاسبة
أشعلت الصور المتداولة تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر أطباء وصحفيون وحقوقيون أن ملامح بني مفلح تعكس آثار التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون الإسرائيلية. ووصف أحد الأطباء حالته بأنها تمثل وجه إنسان نجا بالكاد من الموت، بعدما فقد معظم مقومات حياته الطبيعية.
وأكد الصحفي الكويتي الأمريكي أحمد الدين أن الصور تكشف وجود منظومة تستهدف إنهاك الأجساد الفلسطينية وإسكات الأصوات الصحفية، عبر التجويع والإهانة وسوء المعاملة والاحتجاز دون مساءلة. كما رأى ناشطون أن سياسة الاعتقال الإداري لا تكتفي بحرمان الفلسطينيين من حريتهم، بل تؤدي إلى تدمير صحتهم الجسدية والنفسية قبل إطلاق سراحهم.
وأعلنت جمعية نادي الأسير الفلسطيني أن حالة بني مفلح لا تمثل حادثة منفردة، بل تعكس واقع آلاف المعتقلين الذين يواجهون التعذيب والتجويع والحرمان الكامل من العلاج والرعاية الطبية، إلى جانب الاعتداءات الجسدية والنفسية المستمرة وسياسة الترهيب التي ترافقهم على مدار الساعة.
وأضافت الجمعية أن مئات الأسرى خرجوا من السجون وهم يعانون أوضاعًا صحية ونفسية بالغة الخطورة، لكن كثيرًا من تلك الحالات لا تحظى بتغطية إعلامية بسبب الخوف الذي يسيطر على الأسرى المحررين وعائلاتهم من التعرض للاعتقال مرة أخرى.
وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد التقارير الحقوقية التي توثق انتهاكات داخل السجون الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، إذ وصفت منظمة بتسيلم الإسرائيلية بعض مراكز الاحتجاز بأنها "معسكرات تعذيب". كما أشارت جمعية نادي الأسير إلى اعتقال ما لا يقل عن 245 صحفيًا فلسطينيًا منذ بداية الحرب، بينما يقبع ما يزيد على 9500 فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية، مع ترجيحات بارتفاع العدد الفعلي بسبب امتناع السلطات الإسرائيلية عن الكشف عن بيانات مئات المعتقلين الذين اعتقلتهم في قطاع غزة.

